رمضان في أمريكا: سامية جمال تدعو الأجانب إلى مائدة الإفطار

كان لشهر رمضان مكانة خاصة في قلب الفنانة سامية جمال، حتى أنها لم تستطع كبح دموعها حين حل عليها هذا الشهر الكريم وهي في الولايات المتحدة الأمريكية، بعيدة عن طقوسها المصرية التي ألفتها منذ صغرها. وفقًا لما ذكرته مجلة الكواكب في عددها الصادر عام 1954، فإن ذكريات سامية جمال عن رمضان كانت تحمل في طياتها مشاعر متناقضة، بين الفرح والحنين، وبين بعض الآلام الصغيرة التي عاشتها في طفولتها. فقد كان والدها يحتفل بالشهر المبارك، لكنه لم يكن وحده في إدارة البيت، فزوجة أبيها كانت تحرمها من الحلوى وتسخر منها بينما كان إخوتها يلعبون بالفوانيس، مما جعل بعض ذكريات رمضان لها طفولية مليئة بالمرارة، لكنها رغم ذلك بقيت تقدر قدسية الشهر وروحانيته.

 

عندما حل رمضان لأول مرة على سامية جمال وهي برفقة زوجها عبد الله كينج في أمريكا، شعرت بفراغ كبير؛ فكان هذا أول رمضان تقضيه بعيدًا عن أهلها وأسرتها. جلست في غرفتها متأملةً في ذكرياتها عن القاهرة، عن المآذن التي تنير المساجد في المساء، وعن رائحة الطعام الرمضاني الذي يملأ البيوت دفئًا وبهجة. هذه الذكريات جعلتها تشعر بحاجة ملحة لإعادة شعور الانتماء والاحتفال بالشهر الكريم بطريقة تليق به.

 

ومن هنا جاءت فكرة مائدة الإفطار الرمضانية التي قررت سامية جمال إعدادها في أمريكا. أرادت أن تعرّف أصدقائها الأجانب على معنى رمضان، وعلى جماله وخصوصيته، وأن يشاركهم الشعور بالفرح الذي يصاحب الإفطار الجماعي. بدأت التحضيرات باختيار قائمة الأطباق الرمضانية التقليدية، من اللحوم المشوية إلى الحلويات الشرقية مثل القطايف والكنافة، ولاسيما مشروب قمر الدين الذي اعتادت تناوله في رمضان بالقاهرة.

 

حرصت سامية على أن تكون الدعوة رسمية وبأسلوب أنيق؛ فأعدت بطاقات الدعوة وطبعتها يدويًا، وأخبر زوجها عبد الله كينج أن السبب هو مناسبة تدعى “رمضان”. وبالفعل، أحدثت كلمة “رمضان” ضجة كبيرة بين المدعوين، الذين لم يكن لديهم أي خلفية عن معنى هذا الشهر الكريم، فراحوا يستفسرون عن طقوسه وما يمثله في حياة المسلمين. ولم تتوانَ سامية عن شرح فلسفة الشهر وأهمية الصوم، وعن قيمته الروحية والاجتماعية، وكيف يجمع الناس على مائدة الإفطار ويشعرون بالمشاركة والتراحم.

 

وفي اليوم المحدد، بدأ المدعوون يتوافدون في الموعد المحدد، حيث كان وقت الإفطار قريبًا من غروب الشمس. كانت المائدة قد أعدت بعناية فائقة، والزينة الرمضانية أضفت على المكان لمسة شرقية ساحرة. بدأ الضيوف في الاستفسار عن أطعمة جديدة بالنسبة لهم، وتذوقوا التمر والمقبلات والحلويات، وتبادلت سامية معهم الشرح عن كل طبق وما يمثله من تقاليد رمضانية. كانت تعليقاتهم إيجابية للغاية، إذ وجدوا الطعام لذيذًا وطريقة التقديم جذابة، بينما كانوا مذهولين من قصص الصوم والروحانيات المرتبطة بالشهر.

 

كان الهدف من هذه الدعوة ليس الطعام وحده، بل إيصال ثقافة رمضان وروحه، ومشاركة الشعور بالمحبة والتراحم الذي يميز هذا الشهر. شعرت سامية بالسعادة لأنها استطاعت أن تجعل أصدقاءها الأمريكيين يلمسون جزءًا من ثقافة مصر وطقوسها، ويعرفوا كيف يتحول رمضان من مجرد يوم للصيام إلى تجربة روحية وثقافية غنية.

 

في تلك الأمسية الرمضانية، أدركت سامية جمال أن المسافة الجغرافية لا تمنع الإنسان من الحفاظ على طقوسه وذكرياته، وأنه بالإمكان نقل جزء من ثقافته إلى الآخرين، حتى وإن كانوا يختلفون عنك في الدين أو البيئة. كانت تجربة مائدة الإفطار في أمريكا تجربة مميزة بالنسبة لها، مليئة بالحنين والفرح والرضا، إذ شعرت أن روح رمضان كانت حاضرة بقوة، وأنه قد تمكّن من عبور حدود البلاد لتجمع الناس حول قيم مشتركة.

 

وبعد هذه التجربة، أصبحت سامية جمال دائمًا ترى في الإفطار الجماعي فرصة لتقريب الناس من بعضهم، ولتعريف الآخرين بثقافة بلدها، لتصبح بذلك رمزًا ليس فقط للجمال والرقص الشرقي، بل أيضًا للروحانية والانفتاح الثقافي. كانت هذه الذكرى من أهم ذكريات رمضان في حياتها، ترويها دائمًا بفخر واعتزاز، باعتبارها اليوم الذي جمعت فيه بين حنينها لمصر وروح رمضان وبين التعريف بثقافة بلدها أمام أعين أصدقاء من ثقافات مختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى